عبد العزيز كعكي

23

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

فيصف لي تلك المعالم وكأنه يشاهدها ، ويرشدني إلى من ببعضها أعلم ، فكان يمهد لي الطريق ويسهل لي مهمة الاتصال بهم للاستفادة بما لديهم . ومنذ ذلك الوقت ولأكثر من اثنى عشرة عاما بدأت أجمع المعلومات من مصادرها المختلفة والتي كان من أهمها مكتبة الوالد العامرة ، فهي مكتبة كبيرة تزخر بآلاف الكتب النادرة والنفسية فكنت أمكث فيها لأجمع المعلومات من بين طياتها ، وأنقل الكثير منها إلى مكتبتي كي أستفيد بما فيها من خبرات وتجارب وتاريخ وحضارة . فأخذت أسجل القصص والأخبار ، وأدون الأحداث والمشاهدات ، وأكتب خبرة أصحاب الحرف والصناعات ، ومنها ما جمعته من واقع الطبيعة ، من الزيارات والدراسات الميدانية ، فأخذت ألتقط الصور وأجمع البيانات وأدون المقاسات والمواصفات ، ثم بدأت بجمع ما ذكره المؤرخون والكتاب ، السابقون منهم والمعاصرون ، فرتبت المعلومات وحللت البيانات وجعلتها قاعدة يمكن أن أنطلق منها . أما عن منهجية البحث التي اتبعتها في دراسة وتحليل تلك المعالم فقد اعتمدت أساسا على استقصاء كل ما يمكن استقصاؤه عن المعلم ، فبدأت بذكر تعريف عام له يعطي فكرة عامة قبل الدخول في تفاصيل دراسته ، ثم تناولت هذا المعلم من حيث المعنى اللغوي سواء مما وجدته مكتوبا بين صفحات كتب المؤرخين أو قواميس اللغة ، ثم تطرقت بعدها إلى الحديث عما جاء في تسمية الملم ومترادفاته المختلفة فأوردت ما جاء في تسميته سواء مما وجدته في الكتب والمراجع أو ما هو معروف ومتعارف عليه عند أهل المدينة موثقا ذلك ببعض أقوال المؤرخين والكتاب وبعض أقوال رجال أهل المدينة . ثم تناولت بعد ذلك ما جاء في هذا الأثر أو المعلم من الأحاديث والآثار ، فبدأت أتدرج به عبر التاريخ ، كذكر من بناه مثلا أو سكنه أو نزل عليه ، ثم تطرقت إلى ذكر الأحاديث والأخبار التي وردت بشأنه وخاصة ما جاء فيه من الأحاديث أو الآثار النبوية إن وجد ، ثم بعد ذلك تناولت هذا المعلم من حيث موقعه سواء من المدينة المنورة أو بعده عن المسجد النبوي الشريف ، إضافة إلى تحديد موقعه من الإحداثيات الجغرافية المتمثلة بالإحداثيات الأفقية والرأسية للمصورات الجوية ، وقد شملت دراسة تحديد الموقع ذكر حدود هذا المعلم وما يحيط به ويحده من جميع جهاته . ثم توجت دراستنا لهذا المعلم بذكر وصف شامل لهذا المعلم من حيث وصفه التفصيلي ليغطي كافة جوانبه وصفا دقيقا موضحا بالصور والمخططات اللازمة لزيادة الشرح والايضاح ، ثم اختتمت دراستي لكل معلم بذكر شيء مما قيل فيه من الشعر أو ما ضرب فيه من الأمثال إن وجد . وقد حاولت في دراستي لهذه المعالم أن أوثقها توثيقا بصريا ، فأشبعتها بالصور والمخططات وأبرزت مواقعها على المصورات الجوية ، فقد تغني الصورة في كثير من الأحيان عن زيادة الشرح والكلام ، كما حرصت في أن تكون هذه الدراسة شاملة لأغلب العناصر والمظاهر العمرانية والتاريخية ، وجعلت هذه الدراسة في عدة أجزاء شملت المعالم الطبيعية للمدينة بجبالها وحراتها وأوديتها ، كما شملت دراسة مراحل التطور العمراني والتقدم الحضري للمدينة المنورة إضافة إلى تاريخ وعمارة الآطام والحصون والقلاع والأبراج وأسوار المدينة وبواباتها . كما حوت الدراسة تاريخ وعمارة المساجد والآبار والدور والقصور القديمة . إضافة إلى تاريخ وعمارة العين الزرقاء بدبولها وعيونها ومناهلها ، كما شملت الدراسة تاريخ وعمارة المكتبات والمدارس والأربطة والأسبلة والحمامات القديمة بالإضافة إلى عمارة البيوت التقليدية القديمة في المدينة المنورة وتقنية البناء . كما احتوت الدراسة على بعض من ملامح النسيج العمراني من حيث تكوينه وتطوره ، كما ألقيت الضوء من خلاله على أحواش المدينة وحاراتها وأزقتها وبعضا من مواضعها وأماكنها المميزة ، كما شملت الدراسة سكة الحديد بمرافقها ومبانيها المختلفة إضافة إلى ذكر معالم المدينة المنورة اليوم بما فيها من تطور شامل حظيت به في عهد حكومتنا الرشيدة أيدها الله وبخاصة تلك الرعاية والاهتمام التي حظيت به في عهد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه . وها أنا اليوم أقدم الجزء الأول من هذه الدراسة وهو المعالم الطبيعية ، ويقع هذا الجزء في ثلاثة فصول : يحتوي الفصل الأول على جبال المدينة وما حولها ، أما الفصل الثاني فيتحدث عن حرات المدينة ، في حين يتحدث الفصل الثالث عن أودية المدينة . . . وأضعه بين يدي القارئ الكريم وإلى كل محب لطيبة الطيبة والتي لا أرجو من ورائه سوى خدمة مدينة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم . . . فأرجو من الله تعالى العون والسداد . مهندس معماري عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم كعكي جماد الآخرة عام 1418 ه